الرحلة الي طاجكستان (ج1)

كان التخطيط قبل السفر للوصول الى هذه الدولة بالتعرف عنها وتاريخها وسؤال من كان له سبق الزيارة ومما كان في اليد ما كتبه الشيخ الدكتور العبودي في ما كتبه عن زيارته لها وتكلمه عن بعض مكنوناتها وطبيعة شعبها وأسال الله للدكتور العبودي طول العمر بالعمل الصالح على ما سطر في كتبه من كنوز المعرفة من زياراته للدول الإسلامية ومنها طاجكستان ولعلي هنا أضيف بعض مما أضاف له الشيخ العبودي وتحديث بعض المعلومات الحديثة عن الدولة وطبيعة الشعب والتي لاشك أنها ستكون ذات فائدة لكل من يريد المعرفة عن هذا البلد المسلم المضياف.
بعد التزود بكل ما أردت معرفته عن البلد ومصاحبة ثلة من الإخوان، لنعين بعضنا بعضا في غربة المكان الذي لم نحس به في غربة بوجود إخوان لنا في الدين ولكن وفق الله الجمع بأربعة من أفاضل الإخوة وأنا خامسهم اثنان من بلدة تمير ونعم الإخوان واثنان من الشرقية فكنا عصبة للخير تجولنا في جنوب البلاد وشمالها وسجلت الصور والمعالم لتكوين تقرير مفصل عن تلك البلدة.
ومن باب ذكرهم باسمائهم كرد للمعروف لصنيعهم في كل مابدر منهم من خير وود اسأل الله لهم التوفيق والصلاح ، وهم كالتالي : من بلدة تمير الإخوة أحمد الابراهيم وكديان الفيصل ومن الشرقية نايف الشدي وعبدالله العتيبي ومترجمنا الطاجيكي الاخ عمر سليمان وألاخ العزيزصاحب السيارة وراعي الفضل بعد الله في فتح كل ما صعب علينا في الرحلة وهو الشيخ سعيد أكبر حبيبوف .
بعد استلامنا تأشيرة الدخول من سفارة طاجكستان من الرياض بقيمة 250 ريال للتأشيرة الواحدة والتي تكفل الاخ أحمد الابراهيم بالعمل عليها بحكم قربه من الرياض مشكوراً
وأما الطيران فقد كانت لنا قصة معه، فلا يوجد في مكاتب الطيران ما يوحي معرفتهم بالعاصمة دوشانبة وكان البحث عن الطيران مضنياً وبعد جهد توصلنا إلى الطيران التركي وهو الوحيد الذي يخدم السفر إلى تلك الدولة ولكن بمبالغ عالية جداً تصل إلى ستة آلاف ريال ولكن بتوفيق الله وعبر الأخ أحمد الابراهيم تم أخذ رابط عن طريق النت للطيران الطاجيكي ولكن عبر دبي ، وكنت المسؤل بالرحلة عن تجهيز التذاكر وفوجئت بأن الموقع لا يعمل ، وبالبحث المضني وجدت بعد تعب جوال لمكتب راس الخيمة للسفر والسياحة وهو مكتب يختص بالرحلات السفاري داخل الإمارات ومنه وجدت الأخ سهيل أغا وهو المسئول عن رحلات خطوط الطاجيك بدبي ومنه تم ولله الحمد الحجز وإصدار التذاكر بمبلغ 2200 ريال للتذكرة من دبي وبعدها كانت الأمور كلها طيبة إلى أن حان وقت السفر يوم 22/7/2009 وكان تجمعنا في مطار الشارقة حيث أن أهل تمير أقلعوا من الرياض إلى دبي ونحن أهل الشرقية أقلعنا من البحرين إلى الشارقة والتقينا هناك ، وبطائرة الأربعاء التي أقلعت من مطار الشارقة الساعة الواحدة ليلا عبر الطيران الطاجيكي بطائرة 737 قديمة ولمسافة ثلاث ساعات ونصف الساعة إلى مطار العاصمة دوشانبة .
ولمسافة غير طويلة وصلنا بحمد الله الى العاصمة والتي رأيناها وقبلها من أراضي الطاجيك والتي يغلب عليها الجبال والوديان الكثيرة ومناطق زراعية قليلة بفعل تكوين الارض الوعر فكما ذكرنا أن 90% من أراضي طاجكستان جبلية .
وهنا وفي الطائرة وجدنا أنه من المناسب التقاط بعض الصور للمنطقة ولكن لعلنا نسينا أننا في بلد لم يصحو من الشيوعية وما ألقته عليه من تركة سياسية كئيبة من كبح للحريات والمنع لكل ما هو مباح ، فمجرد التقاطنا الصور فزع ألينا مضيف الطائرة بقوله ممنوع التصوير !!
عجبا لم نقاطعه فكوننا في بلد كهذا وبقايا الحكم العسكري فيه لم نرد أن نثير الأمر وأغلقنا الكاميرات مع الاحتفاظ بما استطعنا التصوير قبل المنع .
وها نحن ننزل الى مدرج المطار ومن خلال النوافذ رأينا مدى الحالة المزرية للبنى والمدرجات وكميات من الطائرات الحربية المهملة والجيدة بين هلكوبترات وطائرات حمل ونقل وطائرات مدنية ومن أكبر مارأينا طائرة الانتينوف الروسية وهي فاتحة خلفيتها وحولها صواريخ الله أعلم بها وبطريقة من الاهمال أو أنهم واثقين من السيطرة الكاملة على المطار فوجود مثل هذه الترسانة ونحن نرلااها بكل سهولة لاتدل من وجهة نظري الا من ناحيتين إما أن تكون الدولة غير ابهة بما تعمل وهي مسيطرة تماما على كل الامور ، وإما أن تكون الامور خارجة عن ادارة للمنطقة والامور تسير بالبركة وهذا ما أرجحه .
وماهي الا دقائق الا وتوقفت الطائرة في المدرجات ومما رأينا شاحنة من الطراز الروسي القديم وهي تقترب من باب الشحن لطائرتنا في بداية لأستلام الحقائب بطريقة عفوية وبكل لامبالاة فالحقائب ترمى في الصندوق بشكل أكوام وثم تنطلق الى الصالة ، ومن الطائرة كان نزولنا الى الحافلة ومنها الى ممرات من الشينكو تمنع الرؤية لمناطق المطار والتي كشفناها من الطائرة !!
وثم الوصول الى مبنى من الشينكو وله بوابة من الالمنيوم وأنزلونا ولكن ليس للدخول فقد منعنا من الدخول حيث يتواجد بالصالة مسافرون وصلوا قبلنا والصالة لاتقبل حسب قوانينهم الا كل طائرة لوحدها !!
وبانتظار اشارة الدخول من قبل العساكر ذو القبعات الكبيرة الحجم ذات الطراز الروسي وبقمصانهم الزرقاء ظللنا لمدة ساعة تقريبا في الهواء الطلق وفي حول المدخل .
وبعد انتظار ودخول جميع المسافرين قبلنا سمح لنا بالدخول وبطريقة عشوائية وعدم التزام بالنظام وهو الظاهرة الواضحة هنا وإجراءات عقيمة ، ومما كان لابد من وجودة ورقة الجمارك أو ورقة الدخول وهي لابد من وجودها حين الدخول ويسأل عنها وقت الخروج وهذا ماعرفناه لاحقاً وأهميتها حينما خرجنا راجعين ، ولكن لعدم وجودها فقد ابتكر الشرطي الختم على بطاقة صعود الطائرة الصغيرة التي ولله الحمد احتفظنا بها وقد سمعت من العسكري أو فهمت من إشارته أن هذه البطاقة بالختم الموجود عليها مهمة جدا، وهذا ما بلغته للإخوة ولله الحمد أنهم لم يرموها والا كانت أمورنا حيص بيص.
كانت لنا في صالة الخروج فرصة للتحدث مع أحد الطاجيكيين الذين درسوا في جامعة أم القرى وقد اظهر لنا تصورا جميلا عن البلد وكيفية العمل وتدبر الامور بالاضافة لأرشادة لكثير من الاماكن التي كانت لنا وجهة بعد خروجنا من المطار فجزاه الله خير.
خرجنا من المطار وكانت جموع غفيرة من المستقبلين لإخوانهم القادمين من دبي وبمرورنا بينهم كان الشيخ سعيد أكبر بلباسه الابيض البنجابي وطاقيته الطاجيكية التي يعتمرها مميزا بين المستقبلين وبوجهه السمح جزاه الله خيراً استقبلنا وكان يحمل بنفسه الحقائب رغم كبر سنة ولكننا منعناه بما اوتينا من قوة فبأسه كبير الله يعطيه العافية ويبارك فيه.
كانت سيارته الفورنر الجيب متسعا لنا ومنها ركبنا الى وسط العاصمة كل مامررنا بمبنى ارشدنا بلغته الفارسية وبعض العربية الركيكة ماهي عليه فقد كان طيبا ومؤنسا لنا في تجوالنا كله .
كان الوقت صبحا ومرورنا عبر شوارع فسيحة وكبيرة وحولها المباني الضخمة وهي كما عرفنا لها الشيخ سعيد بمباني حكومية ، منها وزارات ومنها مباني الحكم وفنادق أعتقد أنها من الحقبة الشيوعية فطرازها قديم ودلالتها كمباني الدول الشيوعية التي أعرفها .
ولكن ما لفت انتباهي هو عدم وجود زحام وقلة المشاه ولكن يكفي أن نعرف أن السيارات هنا غالية جدا والوقود كل لتر يعادل دولار واحد تقريبا وحالة البلد ضعيفة والمواطنين يكدحون من أجل لقمة العيش فلذا كانت هذه النظرة قلة وجود السيارات .
تقع العاصمة في وادي حصار وتعني كلمة دوشانبة يوم الاثنين من أيام الاسبوع ، وللعاصمة قبل الثورة البلشفية الروسية وأحتلال المنطقة كانت العاصمة وقبل أن تكون عاصمة مكونة من ثلاث أجزاء وتسمى المواقع الثلاث ( قشلك – kishlaks) وقد يعني بالقشلك مستعمرة أو ناحية ، فالقشلك الاول (سراي اسّيجا- Sary Assija)والثانية (شاه منصور- Shahmansur) والثالثة (سوق دوشانبة –يعني سوق الاثنين-bazarDushanbe).
وقبل العاصمة وإنشائها كان يوجد قرية (شيشي خان) ويعود أهتمام الروس بها كونها المقر الصيفي لأخر أمراء بخارى وهو (سعيد علي موهان) وقد فرّ من بخارى واستقر هنا حتى عام 1920م وفي 14 /7/1922م حين هجمت جيوش البلاشفة الروس سقطت المنطقة واضطر الأمير على مغادرة المنطقة للخارج.
وخلال سبعون عاما من عام 1929م وحتى عام 1970م أزدهرت المنطقة لتنتقل من أربع بيوت خشبية وبعض عربات النقل بالخيول وقرية بها 282 نسمة وهي مايطلق عليها ( قشلك – kishlaks) الى أن كانت في أوج أزدهارها وكونها عاصمة طاجكستان الاشتراكية بعدد سكان تجاوز 600.000 نسمة وثم الان أصبحت بعد عام 1991م عاصمة طاجكستان المستقلة.
البلد عموما ليس بمصاف الدول المتحضرة والمتمدنة فهي لازال عليها قطع اشواطا من اللحاق بالتطور وأشواطا مضاعفة بالنسبة لقوانين البلد وخاصة العسكري منها ، فالرشوة قائمة والتفتيش مورد لها ، وهذا مارأيناه في كل زاوية سواء لعسكري المرور أو لشرطي الامن ووقوف السيارات شيء اعتيادي هنا وهي فرصة للعساكر في حلب جيوب من يجدونه فقد رخصته أو نسي ختم تصديق ورقة من أوراقه ولكن بمجرد وضع عشرة أو خمسة سوموني وهي عملة البلد والسوموني يعادل ريال الا قليلا ، فهي تكفي بتجاوز كل المخالفات ولكن لكل مخالفة قدرها حسب سعر الصرف العالمي.
ولعل جمال الطرق بنا تزينت به من أشجار على طرفي الطرق وبعناية في كل الطرق الرئيسية قد أعطت الطرق رونقاً وبوجود شرطة المرور وبكثافة ومنع التوقف في تلك الشوارع زادها هيبة وترتيباً ولكن……
وبمجرد خروجنا من الشوارع الرئيسية ودخولنا خلف تلك الطرق باتجاه المباني السكنية… فقد تغيرت الصورة الى العكس فتبدل الجمال تشويهاً والنظافة والترتيب الى عكسه فالساحات الداخلية غير معبدة والمباني في حالة يرثى لها وقد تشابكت حولها انابيب التدفئة المركزية لجميع الشقق في كل العاصمة وفي مناطق أخرى فلعل هذه من الأمور التي كانت ايام الحكم الشيوعي فتوصيل جميع المباني السكنية بالماء الحار لتدفئة الغرف هو من الأمور المنتشرة حيث تقل درجة الحرارة في الشتاء عن الصفر بمراحل ، ولعل القانون الشرقي الذي نحن مشاركون معهم فيه لايتغير حتى هنا وأقصد بالقانون وهو تجميل الطرق العامة وترتيبها في حال زيارة مفاجئة لمسؤل أو زيارة من ضيوف خارج البلد ولكن للمواطنين فالله لهم ولامولى لهم غيره….
منقول بتصرف
إترك رد
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.